محمد هادي معرفة

131

التمهيد في علوم القرآن

وقائمهم حصيدا ، وعالمهم أبا جهل ، وسهيلهم على السهل ، وعتبتهم اعتاهم ، وأبو لهبهم أخمدهم وأخزاهم ، وعبد شمسهم آفلا ، ونابغتهم خاملا ، وحيّ أخطبهم ميّتا ، وهشامهم مخزوما ، ومخزومهم مهشوما ، وسراتهم أسارى وكبّارهم من الصّغار صغارا . . . ثم قنع منهم بعشر سور من سوره المنزلة ، ثم تنزّل معهم - وهو الرفيع - إلى أدنى منزلة ، فقنع منهم بأن يأتوا بعشر آيات ، رضى منهم بسورة واحدة . . فالتجئوا إلى مفاوضة الحتوف ، عن معارضة الحروف ، وعقلوا الألسنة والعقول ، واعتقلوا الأسنّة والنصول . ورضوا بكلم الجراح ، عن الكلم الفصاح . وفرّوا إلى سعة آجالهم من ضيق مجالهم . . . فما انجلت غبرة الضلال عن جبهة الحقّ إلّا وهم بأسرهم أسرى أو قتلى ، إلى أن عادت كلمة اللّه هي العليا ، وكلمة أعدائه هي السفلى . . . وهكذا ما تصدّى في الأزمنة المتأخّرة لمعارضته ، إلّا مأفون الرأي ، مائق العقل « 1 » . ومن الأعاجيب أنّك ترى الرجل في جميع المقامات فارس يليلها « 2 » حتى إذا تصدّى - من ضعف في دينه ، أو خور في عود يقينه ، أو زندقة في هواه ، أو وصم عهار في عصاه - إلى مقاومة ذلك المقام ومعارضة معجز ذلك النظام ، أفحم وتبلّد ، وأبكم وتلدّد « 3 » هذا مسيلمة وسجاح من الأوّلين . . والمتنبّي والمعرّي وأضرابهم من الآخرين . . . كلّ يزعم أنّه أتى بما يضاهي القرآن ، فهل تجد فيه إلّا ما يضحك الصبيان . . . ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ . . « 4 » . . . ثمّ أخذ في بيان أوجه إعجازه :

--> ( 1 ) أفن : ضعف رأيه فهو أفين ومأفون وماق الرجل : حمق في غباوة . ( 2 ) يليل : اسم جبل معروف بالبادية ، وموضع قرب وادي الصفراء من اعمال المدينة . وإليه نسب عمرو بن عبد ود : فارس يليل . ( 3 ) تلدّد : تلجلج وأفحم عن التكلّم . ( 4 ) الحج : 74 .